أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
11
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والعامة على كسر الهمزة من « إنجيل » وقرأ الحسن بفتحها « 1 » . قال الزمخشري : « وهذا يدل على أنه أعجمي لأن « إفعيلا » بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب » قلت : بخلاف إفعيل بكسرها فإنه موجود نحو : إجفيل وإخريط « 2 » وإصليت « 3 » . وفرق الزمخشري بين « نَزَّلَ » وأنزل على عادته فقال : فإن قلت : لم قيل : نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل ؟ قلت : لأن القرآن نزل منجما ونزل الكتابان جملة » . قال الشيخ « 4 » : وقد تقدم الرد على هذا القول في البقرة وأن التعدية بالتضعيف لا تدل على التكثير ولا على التنجيم ، وقد جاء في القرآن : أنزل ونزل قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ « 5 » و نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ « 6 » ويدل على أنهما بمعنى واحدة قراءة من قرأ ما كان من « ينزل » مشددا بالتخفيف إلا ما استثنى ولو كان أحدهما يدل إلى التنجيم والآخر على النزول دفعة واحدة لتناقض الأخبار وهو محال » . قلت : وقد سبق الزمخشري إلى هذا الفرق بعينه الواحدي . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 4 إلى 5 ] مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( 4 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 5 ) قوله تعالى : مِنْ قَبْلُ : متعلق بأنزل والمضاف إليه لظرف محذوف لفهم المعنى تقديره : من قبلك أو من قبل الكتاب . والكتاب غلب على القرآن كالثريا وهو في الأصل مصدر واقع موقع المفعول به أي : المكتوب وذكر المنزل في قوله : « نَزَّلَ عَلَيْكَ » ولم يذكره في قوله : « وأنزل التوراة والإنجيل » تشريفا لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله : هُدىً فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب على المفعول من أجله والعامل فيه أنزل أي : أنزل هذين الكتابين لأجل هداية . ويجوز أن يكون متعلقا من حيث المعنى ينزل وأنزل معا وتكون المسألة من باب التنازع على إعمال الثاني والحذف من الأول تقديره : نزل عليك له أي : للهدى فحذفه ويجوز أن يتعلق بالفعلين معا تعلقا صناعيا لا على وجه التنازع بل بمعنى أنه علة للفعلين معا كما تقول : « أكرمت زيدا وضربت عمرا إكراما لك » يعني أن الإكرام علة للإكرام وللضرب . والثاني : أن ينتصب على الحال من التورية والإنجيل ولم يثن لأنه مصدر وفيه الأوجه المشهورة من حذف المضاف أي : ذوي هدى أو على المبالغة بأن جعلا نفس الهدى أو على جعلهما بمعنى هاديين . وقيل : إنه حال من
--> ( 1 ) انظر البحر 2 / 378 . ( 2 ) إخريط : الإخريط : نبات ينبت في الجدد ، له قرون كقرون اللوبياء ، وورقه أصفر من ورق الريحان ، وقيل : هو ضرب من الحمض . وقال أبو حنيفة : هو أصفر اللون رقيق العيدان ضخم له أصول وخشن . اللسان / ط 1136 . ( 3 ) إصليت : سيف إصليت : أي صقيل . اللسان : صلت 2478 . ( 4 ) انظر البحر المحيط 2 / 378 . ( 5 ) سورة النحل ، آية ( 44 ) . ( 6 ) سورة آل عمران ، آية ( 3 ) .